ابن شعبة الحراني
506
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
طيب ريح حنوطه وبياض أكفانه وكل ذلك يكون في التراب ، كذلك لا يغني عنكم بهجة دنياكم التي زينت لكم وكل ذلك إلى سلب وزوال . ماذا يغني عنكم نقاء أجسادكم وصفاء ألوانكم وإلى الموت تصيرون وفي التراب تنسون وفي ظلمة القبر تغمرون . ويلكم يا عبيد الدنيا تحملون السراج في ضوء الشمس وضوؤها كان يكفيكم وتدعون أن تستضيئوا بها في الظلم ومن أجل ذلك سخرت لكم ، كذلك استضأتم بنور العلم لأمر الدنيا وقد كفيتموه وتركتم أن تستضيئوا به لأمر الآخرة ومن أجل ذلك أعطيتموه . تقولون : إن الآخرة حق وأنتم تمهدون الدنيا . وتقولون : إن الموت حق وأنتم تفرون منه . وتقولون : إن الله يسمع ويرى ولا تخافون إحصاءه عليكم وكيف يصدقكم من سمعكم فإن من كذب من غير علم أعذر ممن كذب على علم وإن كان لا عذر في شئ من الكذب . بحق أقول لكم : إن الدابة إذا لم ترتكب ولم تمتهن ( 1 ) وتستعمل لتصعب ويتغير خلقها وكذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت وتتعبها دؤوب العبادة ( 2 ) تقسو وتغلظ . ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم ، كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة ، فأسرعوا إلى بيوتكم المظلمة فأنيروا فيها ، كذلك فأسرعوا إلى قلوبكم القاسية بالحكمة قبل أن ترين عليها الخطايا فتكون أقسى من الحجارة ، كيف يطيق حمل الأثقال من لا يستعين على حملها ؟ أم كيف تحط أوزار من لا يستغفر الله منها ، أم كيف تنقى ثياب من لا يغسلها ؟ وكيف يبرأ من الخطايا من لا يكفرها ؟ أم كيف ينجو من غرق البحر من يعبر بغير سفينة ؟ وكيف ينجو من فتن الدنيا من لم يداوها بالجد والاجتهاد ؟ وكيف يبلغ من يسافر بغير دليل ، وكيف يصير إلى الجنة من لا يبصر معالم الدين وكيف ينال مرضات الله من لا يطيعه ، وكيف يبصر عيب وجهه من لا ينظر في المرآة ؟ وكيف يستكمل
--> ( 1 ) ارتكب الفرس : ركبه أي جعله يركبها : وامتهن الشئ : احتقره . والفرس : استعمله للخدمة والركوب . ( 2 ) دأب في العمل دؤوبا أي جد وتعب واستمر عليه .